ابن أبي الحديد

160

شرح نهج البلاغة

وتعشقها ، وتطلب اللذة الجسمانية ، وتكره مفارقة الأجسام ، وتنسى نفسها ، ولما كان الباري سبحانه قائم العلم والحكمة ، اقتضت حكمته تركب الهيولي لما تعلقت النفس بها ضروبا مختلفة من التراكيب ، فجعل منها أفلاكا وعناصر وحيوانات ونباتات ، فأفاض على النفوس تعقلا وشعورا جعله سببا لتذكرها عالمها الأول ومعرفتها أنها ما دامت في هذا العالم مخالطة للهيولي لم تنفك عن الآلام ، فيصير ذلك مقتضيا شوقها إلى عالمها الأول الذي لها فيه اللذات الخالية عن الآلام ، ورفضها هذا العالم الذي هو سبب أذاها ومضرتها . القول الثالث : قول المجوس : إن الغرض من خلق العالم أن يتحصن الخالق جل اسمه من العدو ، وأن يجعل العالم شبكة له ليوقع العدو فيه ، ويجعله في ربط ووثاق ، والعدو عندهم هو الشيطان ، وبعضهم يعتقد ، قدمه وبعضهم حدوثه . قال قوم منهم : إن البارئ تعالى استوحش ، ففكر فكرة رديئة ، فتولد منها الشيطان . وقال آخرون : بل شك شكا رديئا ، فتولد الشيطان من شكه . وقال آخرون : بل تولد من عفونة رديئة قديمة ، وزعموا أن الشيطان حارب البارئ سبحانه ، وكان في الظلم لم يزل بمعزل عن سلطان البارئ سبحانه ، فلم يزل يزحف حتى رأى النور ، فوثب وثبة عظيمة ، فصار في سلطان الله تعالى في النور ، وأدخل معه الآفات والبلايا والسرور ، فبنى الله سبحانه هذه الأفلاك والأرض والعناصر شبكة له ، وهو فيها محبوس ، لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه الأول ، وصار في ( 1 ) الظلمة ، فهو أبدا يضطرب ويرمى الآفات على خلق الله سبحانه ، فمن أحياه الله رماه الشيطان بالموت ، ومن أصحه رماه الشيطان بالسقم ، ومن سره رماه بالحزن والكآبة ، فلا يزال كذلك ، وكل يوم ينتقص سلطانه وقوته ، لان الله تعالى يحتال له كل يوم ، ويضعفه إلى أن تذهب قوته كلها ،

--> ( 1 ) ج : ( والظلمة ) .